بن عيسى باطاهر
162
المقابلة في القرآن الكريم
والدنيا والآخرة ، والأرض والسماء ، وعن تلك الوحدة الكبرى تصدر تشريعاته وفرائضه ، وتوجيهاته وحدوده ، وقواعده في سياسة الحكم وسياسة المال ، في توزيع المغانم والمغارم ، وفي الحقوق والواجبات ، وفي ذلك الأصل الكبير تنطوي سائر الأجزاء والتفصيلات ، وحين ندرك هذا الشمول في طبيعة النظرة الإسلامية للألوهية والكون والحياة والإنسان ، ندرك معها الخطوط الأساسية للعدالة الاجتماعية في الإسلام ، فهي قبل كلّ شيء عدالة إنسانية شاملة لكل جوانب الحياة الإنسانية ومقوماتها ، وليست مجرد عدالة اقتصادية محدودة ، وهي إذن تتناول جميع مظاهر الحياة وجوانب النشاط فيها ، كما تتناول الشعور والسلوك ، والضمائر والوجدانات ، والقيم التي تتناولها هذه العدالة ليست القيم الاقتصادية وحدها ، وليست القيم المادية على وجه العموم ، إنما هي هذه ممتزجة بها القيم المعنوية والروحية جميعا » « 1 » . إن العدل الاجتماعي الذي يسعى إليه القرآن الكريم من خلال ربطه بالعقيدة هو أن يكون كل فرد من الأفراد ، وكل أسرة من الأسر ، وكل قبيلة من القبائل ، وكل أمة من الأمم على حظ مناسب من الحرية ، وكون كل مجتمع من المجتمعات العديدة على حظ من سيادة بعضها على بعض سدا لباب الظلم والعدوان ، واستخداما لمختلف الأفراد والمجتمعات فيما تقتضيه المصالح الاجتماعية « 2 » . إنّ من خصائص العدل الذي يدعو إليه القرآن الوسطية والاعتدال ، فهو لا يهتم بالقيم الروحية على حساب القيم المادية ، ولا يطغي القيم المادية على حاجات الروح ، ونحن إذا نظرنا إلى المسيحية مثلا نجد أنّها صبّت جلّ اهتمامها على الروح ، ولم تقم للمادة وزنا ، أما الفكر الشيوعي فكان على النقيض من ذلك حين نظر إلى الإنسان من خلال حاجاته المادية وحدها ، وألغى
--> ( 1 ) العدالة الاجتماعية في الإسلام - ط 6 مطبعة عيسى البابي الحلبي : القاهرة 1964 م ص 28 . ( 2 ) المودودي - العدالة الاجتماعية حقيقتها وسبيل تحقيقها - ص 15 - 16 .